أدبأدب وشعرالثقافة والفنونثقافةخاطرةفنفنونمجلة الأديب العربيمقالات

شهوة التلصص بين النصيحة والفضيحة

بين آذان صماء وعيون متلصصة: سيكولوجية الهروب من النصيحة والهرولة نحو الفضيحة

بقلم باهر رجب

شهوة التلصص – في مسرح الحياة اليومي، تتكرر مشهدية غريبة تثير التأمل والدهشة؛ مشهد إنسان يضيق ذرعا بكلمة حق تقال له في السر لتقوم اعوجاجه، بينما تتسع حدقتاه و تتأهب حواسه بمجرد سماع همس عن سقطة لغيره. هي مفارقة أخلاقية ونفسية عميقة: لماذا نستثقل النصيحة التي تبنينا، و نستعذب الفضيحة التي تهدم غيرنا؟

شهوة التلصص
شهوة التلصص

ثقل النصيحة: عندما تصطدم الحقيقة بالكبرياء

تبدو النصيحة في ظاهرها هدية، لكنها في العقل الباطن للكثيرين تشبه “الدواء المر” أو حتى “الهجوم المبطن”. فعندما يشرع أحدهم في تقديم نصيحة، يستنفر “الأنا” (Ego) لدى المتلقي، حيث تترجم الكلمات فورا إلى إقرار ضمني بوجود نقص أو خطأ.

اقرأ أيضا

وهم الكمال:

يهرب الإنسان من النصيحة لأنه يرى فيها مرآة تكشف عيوبه التي يجتهد في مواراتها.

سلطة الناصح:

غالبا ما يشعر المنصوح بأن الناصح يمارس عليه نوعا من الفوقية الأخلاقية أو المعرفية، مما يجعل رفض النصيحة وسيلة للدفاع عن الاستقلال الذاتي، ولو كان هذا الاستقلال مبنيا على خطأ.

الهروب من المسؤولية:

النصيحة تتطلب جهدا للتغيير، والهروب منها هو في الحقيقة هروب من استحقاقات الإصلاح وتفضيل للبقاء في “منطقة الراحة” وإن كانت موحلة.

 

إغواء الفضيحة: شهوة “الشماتة” المبطنة

على الجانب الآخر، نجد أن الأذن التي أغلقت أمام النصيحة تنفتح على مصراعيها لسماع الفضيحة. لا يقتصر الأمر على مجرد الفضول، بل يتجاوزه إلى إشباع رغبات نفسية مظلمة:

اقرأ أيضا

متعة “الشماتة”:

يجد البعض في سقطات الآخرين عزاء لسقطاتهم الشخصية. سماع فضيحة لغيرك يعطيك شعورا زائفا بالأمان والتميز الأخلاقي؛ فكأن لسان حالك يقول: “أنا لست سيئا، انظروا إلى ما فعله فلان!”.

الدراما المجانية:

تقدم الفضيحة وجبة دسمة من الإثارة التي تكسر رتابة الحياة. إنها “قصة” مكتملة الأركان بطلها مهزوم، والجمهور يقتات على تفاصيل انكساره.

تفريغ العقد النفسية:

الإنسان الذي يعاني من ضغوط أو فشل يجد في الفضيحة وسيلة لإنزال الناجحين أو المشاهير من عليائهم، فيشعر بنوع من التوازن النفسي المريض.

المفارقة الكبرى: نحن نحطم المرايا ونعشق العدسات المكبرة

العجيب في النفس البشرية أنها تحطم “المرآة” (النصيحة) التي تريها حقيقتها لكي تظل واهمة بجمال صورتها، وفي الوقت نفسه تحمل “عدسة مكبرة” (الفضيحة) لتفتش في تفاصيل حياة الآخرين.
هذا السلوك يؤدي إلى خلق مجتمع “هش”؛ حيث تنقطع فيه جسور التواصي بالحق، وتبنى فيه جدران من التلصص والترقب. تصبح الفضيحة “عملة رابحة” في مجالس النميمة، بينما تصبح النصيحة “بضاعة كاسدة” يتهم صاحبها بالتطفل أو التنظير.

اقرأ أيضا

نحو وعي جديد: كيف نقلب المعادلة؟

إن الهروب من النصيحة هو ضياع للفرص، والإنصات للفضيحة هو تسمم للروح. لنرتقي، علينا أن ندرك أن:

1- النصيحة قوة:

الشخص الذي يتقبل النصيحة هو الشخص القوي الذي يمتلك شجاعة المواجهة مع الذات.

2 – الفضيحة دين:

المجتمعات التي تقتات على الفضائح هي مجتمعات تدور في حلقة مفرغة من انعدام الثقة، وما تسمعه اليوم عن غيرك بمتعة، سيسمعه غيرك عنك غدا.

ختاما

إن من عجائبنا أننا نغلق أبوابنا أمام من يحمل لنا “مصباحا” لينير طريقنا، ونفتح نوافذنا لنشاهد “حريقا” يلتهم بيوت جيراننا. الرقي الحقيقي يبدأ عندما نبحث عن النصيحة بلهفة، ونفر من الفضيحة كما نفر من الوباء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى